إربد - أحمد الخطيب

اعتبر الناقد عبد الرحيم جداية أن الدفق الشعري يمثل أحد أبنية القصيدة في مجمل تجربة نضال القاسم الشعرية، فيما اعتبر الشاعر د. حسام العفوري أن تجربة القاسم في ديوانه الجديد » أحزان الفصول الأربعة»، تقدم لنا القيمة اللغوية المضافة التي تساوي المعنى الجديد، أو المعنى التركيبي، جاء ذلك في الندوة التي نظمها ملتقى إربد الثقافي مساء أول من أمس، للاحتفاء بديوان القاسم الجديد، وأدار مفرداتها الباحث عبد المجيد جرادات.

وفي ورقته النقدية الموسومة بـ «البناء والتركيب الشعري في ديوان القاسم الأخير»، أكد الشاعر جداية أن نص القاسم الشعري الذي يلتفت إلى القوافي حيناً، ويهملها في مواقع أخرى، لم يكن العروض همه الشعري، فإيقاعاته يحملها بذوقه الخاص حيث يتنقل بين التفعيلات، والصور الفنية، ويهتم كثيراً بدلالة الألفاظ والتركيب الشعري في بنائه.

وأضاف في الندوة التي أقيمت بالتعاون مع منتدى عنجرة الثقافي، وملتقى المرأة، أن من أبرز تقنيات القاسم في البناء الشعري: الفاعلية، حيث الفاعل الشاعر أو الراوي الضمني مسيطر على الأحداث، والفاعلية المطلقة، حيث يمتلك الحرية الكاملة ليسمي ما يشاء كما يشاء دون تردد، كأنْ يسمّي النهر بحراً، أو الريح شمساً، لافتاً النظر إلى أن الفاعلية المطلقة والفاعلية الحرة قد استلهمت الأضداد في نص القاسم الشعري.

وتابع الناقد جداية: ويشكل الدال والمدلول المحطة الثالثة من التقنيات، معتبراً أن الدال والمدلول يقدمان قيمة إضافية في البناء الشعري، وصولا إلى القيم الجمالية التي تحمل معاني سامية، ومن التقنيات التي أشار إليها جداية، تقنية تحليل المدى والذي يكمن في سياقات تحليل المسافة والزمن، المسافة بين الحياة والمدى.

ومن التقنيات التي بحث فيها جداية، تقنية الغائب والوطن الموازي، مشيراً بهذا الصدد إلى مساهمة الأسطورة في بناء مفاهيم موازية، مبيناً جملة من النماذج التي وقعت تحت هذا السياق، من مثل: الأوديسة وأوديسيوس ملك ايثاكا، وغيرها من النماذج الواردة في نصوص القاسم المتنوعة، مؤكداً أن الغائب الموازي يحمل ثلاث نقاط مشتركة بين الواقع والأسطورة.

واعتبر أن قصيدة » أحزان الفصول الربعة» التي أخذت عنوان الديوان، قصيدة تجاوزت بفاعليتها كل تقنيات التركيب، والبناء الفني، بإضافة مفاهيم تجاوزت بفاعليتها استمطار الأسطورة، والدال والمدلول، وغيرها من المفاهيم التي قامت على التركيب اللغوي لهذا الديوان، ألا وهي، «الوثنية والظلام» التي اعتبرها جداية من التقنيات الهامة التي اشتغل عليها القاسم.

وخلص الناقد جداية إلى أنّ البناء الفني الأسلوبي والتركيب اللغوي والقدرة الفكرية الفاعلة على فتق الظلام لإطلالة النور هي تقنية شاعر صنع من اللغة مادة الغائب والحاضر، كما صنع من اللغة مدى تلتقي عنده الأشياء، لافتاً إلى أن القاسم شاعر حرّ لا تقيده التفعيلة.

ومن جهته قدم الشاعر د. حسام العفوري ورقة بعنوان » القيمة المضافة في التصور والتصوير عند القاسم»، أكد فيها أن القاسم يجعل الصورة حاضرة في الذهن، حيث يعبر عن الصورة الذهنية بألفاظ معينة موحية بالمراد منها، من صوت، أو صورة، أو هيئة، أو حالة، لها فائدة خطابية، أو ما شابه من دلالة، أو إيحاء، لذا فإنه يستخدم هذه التصورات لصياغتها شفهياً، أو كتابياً، كما هي، سواء أكانت المفردات مفيدة، أو غير مفيدة، عبر تواصلنا مع الآخرين.

وقال في الندوة التي أقيمت وسط حضور نخبة من المهتمين، إننا نجد بعضاً من التحولات الكونية والحياتية والإنسانية، أمست من مكنونات التصورات الذهنية، في محاكاة تصويرها اللغوي عند القاسم، حتى بدت تضع صبغتها على أعماله الشعرية، بدءاً من ديوانه الأول » أرض مشاكسة»، إلى ديوان » أحزان الفصول الأربعة»، وما بينهما، ديوان » مدينة الرماد»، وديوان » كلام الليل والنهار»، وديوان » تماثيل عرجاء»، وديوان » الكتابة على الماء والطين».

إلى ذلك تتبع الشاعر د. العفوري في ورقته، القيمة المضافة في عدد من نصوص الديوان الأخير للقاسم، مبيناً أثر هذه القيمة وتحولاتها، كما تتبع أسلوب التكرار مبيناً أهميته وفاعليته في البناء الشعري، وأسلوب التقسيم، مشيراً إلى أن القاسم يتخير في قصائده اللفظة المناسبة التي تُنسج في سياقها، وإذا رأى أنها لم تناسب موضعها، يقول كان عليّ أن أتخيّر أخرى، لتنوب عن أختها، أو لتقوم مقامها، سواء أكانت بمجانسة، أو بمشاكلة، أو بمجاورة، ليستقر له حسن المعنى متسقاً ببناء الكلمة، ووضوح العبارة، وسمو الفكرة.

ومن جانبه قرأ الشاعر القاسم في نهاية الندوة، بعضاً من قصائد ديوانه الجديد، من مثل: » ميدوري، والخيل والليل»، ويقول في الأخيرة: » أنا ظلك البهي يا أبي العاطفي كظل سحابة، أنا غبار الطلع، وردة الصباح، رفاقك الشهداء، رائحة القمح والبرتقال، أنا المد والجزر والخيل والليل، رائحة الفل والبحر، دهشة الفراغ، أنا طيفك المخبوء يا أبي في بركة النسيان، أنا جدار بيتنا المرمري القديم، أنا الحقيقة والسراب».