من خلال قراءة متأنية لتاريخ قيام الدولة المدنية الديمقراطية في اوروبا، استطيع القول إن أزمة الدولة العربية أو النظام العربي، لم ولن تنتهي، الا بتحقيق أمرين هما: فصل الدين عن الدولة وتداول السلطة عبر وسائل قانونية ديمقراطية نزيهة ينتج عنها قيام الدولة المدنية ودولة القانون والعدالة لأن العالم بستان سياجه الدولة. حسب قول ارسطو، وهو يعني الدولة التي يقصدها ويعنيها وليست اي دولة.

اجتازت اوروبا، في القرون الوسطى، حقبة زمنية طويلة من العنف والرعب والفوضى لم يشهدها التاريخ من قبل، خصوصا عندما سيطرت الكنيسة على السلطة وادارة شؤون البلاد والعباد، واستخدمت سلاح التكفير وبيع صكوك الغفران، الى ان بدأت ثورة التنوير التي قادت الى حالات التمرد والتغيير حيث نجحت السلطات المدنية بتحقيق خطوة تاريخية هي فصل الدولة عن الدين، وبالتالي ولادة الثورة الفرنسية التي تبعها ظهور عصر النهضة، حيث تم تكريس بناء الدولة المدنية المتمثلة بدولة القانون والمساواة والحرية.

الحقيقة ان امتنا العربية تمر اليوم بتجربة اقرب الى تجربة الشعوب الأوروبية، لأن هناك من سعى ويسعى الى منح الدين صبغة سياسية والخلط بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية، وبالتالي اقامة الدولة السلفية وحشر العقيدة الدينة الروحية في دهاليز السياسة وملاعبها، رغم ان الدين عقيدة روحية مقدسة يجب ان تبقى بعيدا عن أكاذيب وتلاعب السياسيين وادارة شؤون الدولة والعمل الحزبي والسياسي، أي الحياة الزمنية بكل ملفاتها.

والثابت أن الذين فصلوا الدين عن الدولة منذ قرون مضت، وعاش اجدادهم هذه التجربة، هم الذي يحاولون اغراق الأمة العربية في بحر من العنف والارهاب والاغتيال وقتل الابرياء والحروب الاهلية، بادوات عربية واسلامية تابعة، بهدف اخراجنا من العصر واعادتنا الى القرون الوسطى، وبالتالي خلق اشكالية الهوية وتخريب نسيج المجتمعات في البلاد العربية على قاعدة طائفية وعرقية، وفي النهاية منع تقدمنا نحو المستقبل الأفضل، وقطع الطريق امام اي محاولة لقيام مشروع نهضوي عربي.

هناك سبب آخر يفتح الأبواب امام الازمات المستعصية، ويسهّل دخول الرياح الغريبة الى ديارنا والعبث بامور البيت العربي. وهو الانفراد بالحكم باسم الشرعية الثورية في بعض بلاد العرب وعدم السماح بتداول انتقال السلطة بالطرق الديمقراطية الصحيحة، أوالتلاعب بنتائج الانتخابات الصورية التي تجري في الربوع العربية، أو تمكين الحاكم من التلاعب بالدستور كي يحكم « من المهد الى اللحد »، وهو الواقع الذي يخدم دائرة المنتفعين الضيقة، ويفرز حالات الفساد والاستبداد والمحسوبية وتغييب العدالة.

لذلك يجب أن تكون اول خطوة على طريق الاصلاح هو تحديد مدة الرئيس في أي دولة، واحترام الدستور، وتأمين انتقال السلطة بالطرق الديمقراطية التي ينص عليها الدستور، واحترام خيارات الشعب عبر الانتخابات النزيهة، مع التذكير بأن صناديق الاقتراع قد لا تعطينا الافضل دائما.

هذا الالتزام الديمقراطي يمنع القوى الاستعمارية من التدخل لفرض خياراتها على أي شعب تحت عنوان الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، أوالتدخل لفرض النظام الذي تريد من اجل التبعية وخدمة مصالحها، أن كان باستخدام الضغط السياسي أو بالخيار العسكري، لأن من حق كل شعب اختيار نظامه وطريقه وصياغة مستقبله دون وصاية من أحد، أو فرض اجندات خارجية باستخدام ادوات محلية تابعة، أو «ثورات» مصطنعة.