عمان – أحمد الطراونة

قال وزير الثقافة ووزير الشباب د.محمد ابو رمان إننا اليوم بحاجة ماسة إلى شعراء الأردن الذين يحملون رسالة الشعر الجاد الذي يعظّم المنجز الوطني، ويحافظ على اللحمة الوطنية والنسيج المجتمعي، ويوحد الناس حول خطاب الدولة وأولوياتها في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه.

جاء ذلك خلال حفل تأبين الشاعر الأردني سليمان المشيني، والذي أقيم في المركز الثقافي الملكي واداره الإعلامي سمير مساروة بحضور عائلة وأصدقاء الفقيد، وعدد من المهتمين والمثقفين في الأردن.

واستذكر ابو رمان سيرة شاعر أحب الوطن وأقام في محاريب عشقه، ومضى فوق صهوة الشعر يغازل السفوح، وينثر فوق رؤوس الجبال عطر الورد للطيور الحرة الأبية، مؤكدا أن المشيني ظل وساماً على صدر الشعر يتألق فيه الوطن تراباً وشعباً وقيادة، وأيقونة وطنية فياضة بالحكمة والفن، زاهدة بالبهرج من القول، وان الوطن هو مصدر شعره وآماله.

وأضاف ابو رمان الحفل الذي بدأ بفيلم رصد أهم مراحل حياة الراحل: لقد كان المشيني- رحمه الله- يرى في الشعر ساحة من ساحات النضال الوطني، فكتب للقدس وشهدائها، وللأقصى وشهيده وللضفة الغربية، ولعموم فلسطين وديعة الهاشميين ومحط عنايتهم، ودافع عن الوطن بالكلمة الحرة المسؤولة؛ وغنى للوطن فتألق وصيّر ترابه تبراً وماسا، وللملوك من آل هاشم فأنصفهم، وللثورة الكبرى فجلّى قيمها في التحرر والانعتاق، وللجيش بجميع أسلحته وتشكيلاته المتنوعة، ولشهدائه الأبرار كفراس العجلوني، وعاطف المجالي وغيرهم.

وأشار ابو رمان إلى أن الشاعر الذي كان مضرجاً بعشق الوطن و لقّب بـ" عاشق الأردن" عزف على سيمفونية الوطن أجمل ألحان الحب والوفاء فاستحق ذلك اللقب بجراءة واقتدار.

وتحدث ابو رمان عن أهمية ما قدمه المشيني من أغنيات للأطفال جسدت الفرح والمرح وللمرأة فكان مثالاً للعفة والمروءة، وللمستقبل فرسم التفاؤل والأمل في عقول قرائه ومحبيه، حيث كان معتدلاً وازناً في نظرته للأشياء يصدر عن نظرة فلسفية ملؤها الرجاحة والامتلاء، وجعل لنفسه مكانا متميزاً بين فرسان الكلمة.

الشاعر والاعلامي هاشم القضاة أشار إلى أهمية ما قدمه الشاعر المشيني والذي يعتبره القضاة الكوكب السيار الذي عرفته السلط نورا متقدا وعزما قويا ووفاء متجددا وولاء وطنيا، معتبرا المشيني رابع جبال السلط وخامس عيونها.

وأضاف القضاة: لقد نظم المشيني الشعر العمودي وظل وفيا له وثابتا عليه، وبقي مدافعا عن الموروث وأضاف إلى تراثنا الشعري العربي مساهمة لن ننساها، وأضاف إلى مكتبنا العربية نماذج مهمة للشعر الأردني الحديث، وقد كان قادرا على التجديد الشعري وكان مؤمنا ان التجديد ليس بالشكل وحده وإنما بالمضمون وقدرة الشاعر على إعادة صياغة الحياة والتعبير عما يختلج في أعماق النفس البشرية، سواء بالشعر العمودي او بشعر التفعيلة.

الأب رفعت بدر تحدث باستفاضة عن قيم التآخي والسلام والعدل والجمال والعيش المشترك في أدب الراحل المشيني.

وأشار بدر إلى ما كان يكتنز شعر الراحل من روح وطنية محبة للأردن، ورح انسانية تواقة للخير، وروح عربية تسعى لوحدة الأمة.

وأشار بدر إلى أهمية استحضار الراحل في مناهجنا من خلال تقديم شعره كوثائق وطنية تتميز بتركيزها على قيم التلاقي والحوار.

واستذكر رئيس اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين عليان العدوان الشاعر المشيني عضو الأتحاد ومؤسس هذا الأتحاد مع عددٍ من الكتاب والأدباء, وظل قابضاً على جمر الكلمة مدافعاً عن حمى الأردن ووجوده أمام كل الدعوات الماكرة ضده, خصوصاً وقد شهد كل مراحل تطور وطننا فكان لسان حاله المخلص.

وأضاف العدوان إن اتحاد الكتاب يستذكر صوتاً مجلجلاً وسيفاً صارماً ولساناً بليغاً, لا يعرف إلا الصدق والإخلاص , يأسر الشعراء بفصاحته وقوة بيانه, ونحن نستذكره اليوم في حفل التأبين نستذكر ما قدم للإنسانية، حيث كتب أعظم المسرحيات الوطنية والإنسانية, وكتب "فدوى لعيونك يا أردن" و " أنا الأردن" و"صبا من الأردن" وكتب لفلسطين والجزائر والدول العربية المتحررة من نير الاستعمار.

وفي كلمته عن آل الفقيد قال د. ابراهيم سليمان المشيني:لقد فَتّحْنا أعيُنَنا على أناشيد، وأغاني ومسلسلات وبرامج والدِنا الغالي ولا سيّما ركن الجيش والقوات المسلحهْ .. التي كانت تُذاع على أثير إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية التي أمضى فيها ثلاثينَ عاماً متدرِّجاً في المناصبْ حتى أصبحَ مديرَها العام .. وقد اشترك في تلحينِ وأَداءِ قصائِدِهْ كبارُ الملحّنين والمطربين من الأردن ومختلفْ أرجاءِ الوطن العربي الكبيرْ.

كذلك ، كنّا نتابع ما كانت تنشره الصُّحُف من أشعارِهِ ومقالاتِهِ التوجيهية ذات النقد البنّاء والتي كان يغلب عليها حب الأردن والتّغنّي بأمجاده وأبطاله وكيفية الارتقاء به ليكونَ في طليعة البلدان الرّاقية المتطوِّرهْ .. مثلَما كنا نقرأ ما كتبَ كبارُ الأدباء والشعراء والمؤرخين والنُّقّاد المرموقين عن شعره وأدبه من تحليلٍ وثناء.

انه ليس فقط شاعرُ الأردنِّ الوفيّ .. وإنما أيضاً شاعرُ العروبة والوَحدةْ العربية والوئامْ بين الأديان .. وله ديوانٌ كامل عن فلسطين بعنوان " بطاقة حُب إلى فلسطين الخالدة " وكتب أول نشيد عن القدس عام ١٩٤٨.. أُذيعَ من محطّة "هنا القدس" بناءً على طلب جلالة المغفور له بإذن الله الملك عبد الله الأول والذي أطلق على والدنا لقب " أنتَ شاعرُنا "

لقد كرّمتهُ القيادةُ الهاشمية الحكيمةْ بعددٍ من الأوسمة الملكية الرفيعة كان آخرَها "وسامُ الحسين للعطاء المُمَيَّز من الدرجة الأولى" والذي أنعمَ به عليه جلالةُ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه. وكذلك فقد تمَّ تكريمُهُ من قبل العديد من المؤسسات الثقافية المحلية والعربية على حدٍّ سواء.

وأضاف: أما على الصّعيد الأُسَريّ والشّخصيّ، فقد تميّز والدُنا بحبِّهِ العميق لعائلتِه، وبوقارِه وهدوئِه وأدبِ حديثِه ..

إنْ تَسَلْ عَنّي فإنّيْ أُرْدُنِيُّ

لِبَنيْ غسّانَ أُنْمَى عَرَبِيُّ

وَجُدودي طاوَلَتْ راياتُهُمْ

ذِرْوَةَ الجوزاءِ والدّهْرُ فَتِيُّ

وبلادي أيْنَعَ المجدُ بها

والحضاراتُ تسامَتْ والرُّقِيُّ...

وكان عرض في بداية الحفل فيلم من إنتاج وحدة الإعلام في وزارة الثقافة عن نص للكاتب مخلد بركات ومن إخراج محمد خابور، وفي نهاية الحفل قدمت فرقة مركز تدريب الفنون التابع لوزارة الثقافة فقرات فنية من شعر الراحل المشيني.

وكان ولِد سليمان إبراهيم المشيني في مدينة السلط أول شهر نيسان عام 1928، وتلقّى تعليمه الابتدائي ثم الثانوي في مسقط رأسه والتحق بالعمل الإذاعي في الإذاعة الأردنية عام 1957 وتدرّج في المناصب إلى أن أصبح مديراً عاماً لها عام 1985.

وبعد إحالته إلى التّقاعد، انضمّ إلى اتحاد الكتّاب والأدباء الأردنيين عضواً في الهيئة الإدارية لدورات عديدة. وحينما زار الملك عبد الله الأول مدينة السلط عام 1949، أُتيح للشاعر سليمان المشيني أن يلقي بين يديه قصيدة نالت إعجابه واستحسانه فقال الملك عندها وبالحرف الواحد: "أنتَ شاعرنا يا مشّيني، ولكَ مستقبل في دنيا الشعر فلا تقعد عن ممارسته وطلبه وإبداعه والشعر موهبة وثقافة".

حصل المشيني على مجموعة من الأوسمة الملكية الرفيعة كان آخرها "وسام الحسين للعطاء المتميز من الدرجة الأولى" الذين أنعم به عليه جلالة الملك عبد الله، وللشاعر المشيني العديد من المؤلفات الشعرية والأدبية.