أبواب - وليد سليمان

الشيخ الراحل " محمد ابو شوشة" علم من أعلام الاردن في علوم الدين واللغة العربية.. عرفه الكثير من الطلاب الذين تلقوا على يديه الدراسة في مدارس عمان مثل: مدرسة رغدان وشكري شعشاعة ومسجد الكلية العلمية الاسلامية, وكذلك المواطنون في الاردن الذين كانوا يستمعون لتلاواته القرآنية من خلال إذاعة المملكة الاردنية الهاشمية في القدس ثم في عمان.. ومن بعض ما أشار إليه المترجم والكاتب الراحل "صلاح حزيِّن ذات مرة عبر مذكراته القديمة عن أبي شوشة:

القرآن الكريم في المسجد الحسيني

" في عمان قديماً كانت كلمة (الجامع) تعني أساساً الجامع الحسيني، فلم يكن هناك الكثير من المساجد في عمان الخمسينيات.. وكان "الجامع" بجنباته الرحبة وساحاته المكشوفة المحيطة بالموضأة ملاذاً للمتعبدين، وللصائمين في رمضان الذين كانوا يقضون فيه شطرا من يومهم الطويل، ومنهم الأطفال الذين كانوا يرومون للحصول على أمرين في الوقت نفسه:

أجرعن الفرض الذي يؤدونه رغم سنهم الصغير، وقضاء صيامهم بما ينفعهم في الآخرة مثلما ينفعهم في الدنيا.

وكانت جنبات المسجد تمتلئ بالزوايا التي اتخذها بعض المجتهدين أمكنة لإلقاء مواعظ دينية للحضور, الذين كانوا يتوزعون على الوعاظ المنتشرين على مساحة المسجد الواسعة قرب المحراب، أو في الساحة الخارجية المكشوفة.

فيما كان آخرون يلتفون حول مقرئين يتلون آيات من القرآن الكريم, بأصوات تتفاوت في جمالها وقوتها وتفننها في التجويد..أصوات كانت تنتزع في نهاية كل آية إشارات الاستحسان التي كانت تتفاوت هي أيضا في القوة والارتفاع والانخفاض، تبعاً لدرجة تأثر المقرئ بالكلام القرآني.. وآنذاك لم يكن الترتيل الذي أصبح سائدا الآن، معروفاً بعد.

وكان التجويد يعتبره البعض في يومنا هذا نوعا من تلحين القرآن، لأنه يعتمد المقامات نفسها المستخدمة في الغناء هو السائد، وكان المثال الأسطع على عظمة هذا النوع من القراءة في تلك الفترة هو المقرئ الشيخ "عبد الباسط عبد الصمد", الذي كانت له شهرة توازي شهرة المطربين المشاهير في ذلك الزمن!.

ويتابع حزيِّن : وكنت آنذاك معجباً بمقرئ ذي صوت جميل كان يتخذ زاوية محددة قريبة من محراب المسجد مكانا دائما له، وكان إعجابي بصوته يتحول إلى نوع من النشوة عندما كان ينتقل في قراءته من الصوت المرتفع المسمى القرار، إلى الصوت الخفيض المسمى جواب القرار.. حيث كان يتنقل من آية إلى أخرى، معتمدا على نفسه الطويل الذي كان يستخدمه في تمديد القراءة حتى النفس الأخير..وهذا ما يوصل الحضور المتفاعل معه إلى الإمعان في التهليل وبإسباغ معاني الإعجاب والتقدير وكنت معهم.

انه المقرئ (محمد أبو شوشة) الذي كان من أكثر المقرئين شعبية في المسجد الحسيني في عمان بتلك الأيام من خمسينيات القرن الماضي.

الاعجاب بأبي العنين شعيشع

" أمَّا الباحث درويش الكاشف يوضح أكثر عبر مذكرته الصغيرة حول هذا العالِم والمعلم والمقرئ الشيخ المقرئ" محمد ابو شوشة" الذي عاش ما بين الاعوام 1928- 2017.

ومما ذكره: ان الشيخ "محمد فايز صالح ابو شوشة" وُلد بمدينة نابلس في 6/6/1928, ونشأ في بيئة دينية، حيث كان لأسرته طابعاً دينياً ولها بصمات مميزة في التديُن وتلاوة القرآن الكريم, وكان ابو شوشة منذ طفولته الاولى معلقاً قلبهُ بالمساجد.

ففي العام 1944م كان الفتى ابو شوشة قد أنهى دراسته الابتدائية في مدينة نابلس وختم قراءة القرآن الكريم في نهاية هذه المرحلة.

و من عادة الناس في تلك الايام أن كل من يختم القرآن الكريم يحتفل به أهله واقاربه وجيرانه، ويُقرأ في هذا الاحتفال القرآن, وتُنشد الاناشيد الدينية, وتُقدم الحلوى بكافة اصنافها للمحتفلين.

وهذا ما حصل مع أبي شوشة.. حيث ان الذين أعجبوا وقتها بقراءة الشيخ وأثنوا عليه قد عرضوا على والده إرساله الى الجامع الازهر الشريف بمصر.. لتلقي علوم القرآن الكريم ليُصبح قارئا في المستقبل.. وقد استجاب والده لهذه الفكرة.. وكانت هي البداية "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" حديث متفق عليه.

وكان الشيخ منذ صغره وهو في الصف الخامس الابتدائي يحب سماع تلاوة القرآن الكريم ,وبالذات كان معجباً بقارئ القرآن المصري الشيخ " ابو العينين شعيشع" والذي كان يستمع اليه اثناء ذهابه وعودته من المدرسة من مذياع (راديو) أحد المقاهي في مدينة نابلس، و منذ ذلك الحين أخذ يتطلع الى ان يكون قارئا للقرآن الكريم مستقبلاً.

سفر الشيخ الى مصر

وقد سافر الشيخ ابو شوشة الى مصر في العام 1944م لتلقي علوم القرآن الكريم في الجامع الازهر الشريف بالقاهرة، وأمضى هناك ست سنوات دراسية.

وكان قد التحق وهو في الجامع الازهر بالقسم العام, وبدأ بحفظ القرآن الكريم، حيث تلقى احكام التلاوة والتجويد على الشيخ عثمان مراد، وتلقى العلوم الاخرى ايضا في اللغة العربية كالنحو والصرف والبلاغة، وفي الفقه والتفسير والحديث والسيرة النبوية وغيرها.

وبعد ان حفظ النصف الاول من القرآن الكريم تقدم الى معهد القراءات في قسم الخليفة، حيث لم يكن في الازهر الشريف مثل هذا القسم في تلك الفترة، وبعد ان اجتاز فحص القبول في معهد القراءات، بدأ بتلقي القراءات السبع وتوجيه القراءات والرسم والضبط على أيدي اكبر علماء القراءات من مثل الشيخ عامر عثمان والشيخ محمد سليمان، وكان وقتها يتنقل بين هذا المعهد لتلقي علوم القراءات وبين القسم العام في الازهر لتلقي العلوم الاخرى.

وأثناء وجوده في القسم العام بالازهر ومعهد القراءات كان قد أتم حفظ القرآن الكريم كاملا في عام 1944م، حيث كان يُشترط حفظ القرآن على مرحلتين بالنسبة للطلبة الوافدين من أقطار أخرى.

وبعد ان أنهى دراسته وتعليمه في الازهر الشريف بنجاح وكان ترتيبه الثاني في دفعته، عاد الى مدينة عمان وكان ذلك في شهر رمضان عام 1950م، وفي ذلك الوقت كان شابا يافعا لا يتجاوز عمره "22" يضع على رأسه الطربوش الاحمر، ثم أصبح يعتمر الكوفية البيضاء والعقال حتى آخر أيامه.

في الاذاعة الاردنية

وبعد أن عاد من مصر أقام طيلة شهر رمضان في مدينة عمان قبل عودته الى مدينة نابلس، وكان خلال تلك الفترة يقوم يومياً بتلاوة القرآن الكريم في المسجد الحسيني الكبير.

وقد تشرف الشيخ أثناء وجوده في المسجد الحسيني بلقاء المغفور له جلالة الملك عبدالله الاول ابن الحسين , فاستمع اليه وكان بصحبة جلالة الملك - الشيخ المعروف عبدالله غوشة- فرافق ابو شوشة جلالة الملك الى قصر رغدان، وبعد أن طُلب منه ان يُسمع الحضور آيات من القرآن الكريم، أُعجب به وعرض عليه ان يعمل بمعيته في قصره.. فشكره الشيخ ابو شوشة على هذا التكريم وأبدى لجلالته رغبته في العمل بالاذاعة الاردنية، فترك له حرية الاختيار.

وقد عمل الشيخ في اذاعة المملكة الاردنية الهاشمية بالقدس خلال الفترة ما بين 1950 و1951م، ثم عمل في الاذاعة بعمان منذ افتتاحها، وذلك بتقديم القرآن الكريم والاناشيد والتواشيح الدينية.

و الشيخ ابو شوشة يتميز بابتعاده عن التقليد وله اسلوب خاص في القراءة، وكان على علم كبير بأصول الانغام والالحان واختيار المقام المناسب، وكان يقرأ بقلب خاشع يحافظ على الاحكام لتكون قراءته تفسيرية - كما هو الحال لدى كبار القُراء - بمعنى انه كان يُفهم ويُفسر للسامع ما يقرأ له، الامر الذي جعله يتفاعل مع القراءة وبالتالي يجعل المستمع يتفاعل معه ايضا.

ويُعد الشيخ ابو شوشة صورة صادقة عن قدوته - منذ صغره - للشيخ ابو العينين شعيشع إذ كان يحاكيه وهذا ليس تقليدا، بل كان يعطي للسامع حلاوة وفهما ومذاقا لمعاني القرآن الكريم.

المؤذن بالمقامات

ومن مراحل حياته عمل الشيخ إماماً ومؤذناً لمسجد الكلية العلمية الاسلامية في جبل عمان مدة عام، وذلك بتوقيع عقد عمل بينه وبين مدير الكلية الاستاذ بشيرالصباغ، وكان ذلك في عام 1952م.

وكانت تقام في هذا المسجد الصلوات الخمس ويقرأ فيه القرآن الكريم وتقدم فيه الاناشيد الدينية خاصة بعد صلاة الفجر، وكان الشيخ يصعد درجات مئذنة المسجد ليرفع الأذان بصوته الطبيعي من غير مكبرات للصوت في تلك الفترة!.

فالشيخ ابو شوشة أتقن أداء الاذان باستخدام المقامات الصوتية المختلفة، فقد تلقى اثناء اقامته في مصر دورات في هذا المجال, حيث تُدرس فيها الموسيقى لتلحين الاذان، فلكل اذان مقامه الخاص على النحو التالي:

- اذان الفجر يؤذن بمقام (الصبا) الذي يتميز بهدوئه وخشوعه.

- أما اذان الظهر فيؤذن بمقام (العشاق) او (البيات) ويبرز فيه الايقاع السريع والحركة اللذان يتفقان مع حركة الناس في الاسواق وأعمالهم.

- اذان العصر يؤذن وسط النهار بمقام (الرست) الذي يُعبرعن الفخامة والوقار.

- اما اذان المغرب فيؤذن بمقام (السيكا) الذي يتفق في سرعته وقصره مع طبيعة وقت صلاة المغرب السريع والقصير.

- وأذان العشاء يؤذن بمقام (الحجاز) وهو مقام طويل الاداء ومنسجم مع هدوء حياة الناس وقت العشاء- علماً ان اقامة الصلاة يختلف اداؤها عن اداء اذان الصلوات-".

"وحدثنا قديماً الشيخ محمد ابو شوشة رحمه الله قائلاً: "لقد رفعت الاذان لمدة سنة كاملة عام 1951 في هذا المسجد" مسجد الكلية العلمية الاسلامية" الذي كان جزءا من روحي وحياتي الممتدة من حب الله الى حب الله عبر ايقاع التلاوة والخشوع".

ومن رواد المسجد كان طلاب مدرسة الكلية العلمية الاسلامية، ثم ايضا أهالي الحي القريبين منه.

و كانت صلاة الفجر مع قراءة القرآن والتواشيح الدينية تتم في هذا الجامع بصوت ابي شوشة وتُنقل في بث حي ومباشر الى الاذاعة الاردنية وذلك في الخمسينيات من القرن الماضي.

وفي احد ايام فصل الشتاء في ذلك الزمن القديم هطل الثلج بغزارة فوق عمان، حيث لم يأت المصلون الى المسجد بسبب تراكم الثلوج في جبل عمان إلا شخص واحد!!! جاء وشجَّع أبا شوشة على فتح المسجد والصلاة فيه.. وكان عدد المصلين اثنان فقط في صلاة الفجر، وتلك حادثة لا تُنسى.

والشيخ والمُعلم وقارئ القرآن ابو شوشة عمل مدرسا للتربية الاسلامية زمنا طويلا، حيث تخرج من بين يديه آلاف من الطلبة، والكثير منهم اصبحوا في مناصب عُليا في الاردن.

أيام الجمعة في المسجد الأقصى

بالاضافة الى عمله في الاذاعة في فترة 1950 – 1951م، فقد كان ابو شوشة مقرئاً متخصصا بتلاوة القرآن الكريم ايام الجمعة من كل اسبوع في المسجد الاقصى المبارك خلال شهر رمضان حتى عام 1967م، وكان وقتها يعمل مُتنقلا بين مدينتي عمان والقدس.

والشيخ ابو شوشة عمل معلما في مدارس وزارة التربية والتعليم الاردنية منذ عام 1954م حيث درَّس الطلاب بمدرسة رغدان الثانوية بجبل الحسين في عمان، ثم انتقل الى مدرسة شكري شعشاعة بجبل عمان ودخل هذه المدرسة وهي مدرسة صغيرة وخرج منها وقد اصبحت مدرسة ثانوية كبيرة, حتى تقاعد في العام 1988م.

وكان حبه لمهنة التعليم كبيرا، وعندما أُبلغ بعدم جواز الجمع بين العمل في الاذاعة والتعليم في وزارة التربية والتعليم اختار ان يكون معلما .. عِلماً ان رغبة مدير الاذاعة الاستاذ "صلاح ابو زيد" ان يبقى في الاذاعة بناء على توجيه من دولة رئيس الوزراء حينذاك دولة "سمير الرفاعي".

ويُروى عن الشيخ انه التقى يوما احد زملائه المعلمين في وزارة الداخلية، ولما علم الاستاذ "العقايلة" انه لا يزال يعمل في هذه المدرسة قال له العقايلة: "يجب ان تسمى هذه المدرسة باسم مدرسة "محمد ابو شوشة"، وذلك نظرا لخدمته الطويلة فيها، وكان يسمح للشيخ باعطاء الحصص الاضافية لبعض المدارس الاخرى ومنها مدرسة زين الشرف للبنات في عمان, والمدرسة الانجليزية للبنات, ومدرسة المطران للذكور, ومعهد عجلون للمعلمات.

مع الملوك والأمراء

ويقول الاستاذ "فاروق بدران" وكان حينذاك مديرا للتربية والتعليم بمحافظة البلقاء: ان مدرسة السلط الثانوية احتفلت بتاريخ 16/5/1976 باليوبيل الذهبي تحت رعاية "جلالة الملك الحسين بن طلال" - رحمه الله -, واقيم وقتها مهرجان كبير على ملاعب المدرسة, وكانت اولى فقرات الحفل تلاوة آيات من الذكر الحكيم، ولقد اختارت لجنة الاحتفال المعلم المقرئ محمد أبو شوشة لهذه الغاية، وذلك تكريما للمعلم.

وكان الشيخ ابو شوشة يفخرويعتز دوما بانه كان معلما وله تلاميذ كثر أينما حل في ارجاء الوطن او ارتحل خارجه، حيث كان يلتقي بهؤلاء التلاميذ الذين كانوا يُقدمون له كل المحبة والعون والمساعدة.

وكان للشيخ ابي شوشة شرف تدريس الامراء والأشراف في بيوتهم، ومنهم "سمو الامير علي بن نايف", و"سمو الامير غازي بن محمد", و"الشريف جميل بن ناصر", وغيرهم.

في التلفزيون الاردني

وتعاون الشيخ مع ادارة التلفزيون الاردني منذ افتتاحه, وذلك بتقديم القرآن الكريم والاناشيد والتواشيح الدينية، كما عمل في الثمانينيات من القرن الماضي مراقبا لبرامج التلاوات والبرامج الدينية الاخرى في التلفزيون الاردني.

وكان الشيخ ابو شوشة محبا للاناشيد والموشحات الدينية القديمة، حيث حباه الله تبارك وتعالى بصوت جميل وايقاع خاص, وله باع طويل في هذا المجال، ولقد شكّل مع اخوته الثلاثة فرقة لهذه الغاية، اضافة الى انه كان ملحنا للاناشيد الدينية الحديثة التي كان يكتبها كبار الشعراء ومنهم الشاعر "حيدر محمود" و سماحة د. "ابراهيم الكيلاني".

ولشيخنا الجليل رحمه الله العديد من الانشطة الأخرى كالمشاركة بالمؤتمرات واللقاءات ولجان التحكيم المحلية, والدولية خارج الاردن.